
مع انتهاء مهلة استبدال العملة القديمة، تدخل سوريا مرحلة نقدية جديدة تختبر مدى نجاح عملية الإصدار، وتكشف حجم الاقتصاد غير الرسمي، ومستقبل السيولة، وقدرة المصرف المركزي على استعادة الأموال إلى الجهاز المصرفي.
أعلن إغلاق باب استبدال الليرة السورية القديمة بداية مرحلة اقتصادية أكثر تعقيدًا، تحمل في طياتها أسئلة تتجاوز شكل الأوراق النقدية إلى مستقبل السياسة النقدية بأكملها.
فمع إعلان انتهاء المهلة الرسمية، أصبحت الأوراق القديمة فاقدة للقوة الإبرائية، وانتقلت عمليات الاستبدال إلى مسار أكثر تشددًا يقتصر على مصرف سوريا المركزي في دمشق، بعد تدقيق الطلبات وتحويل قيمتها إلى حسابات مصرفية، في خطوة تعكس انتقال الدولة من مرحلة الاستبدال الجماعي إلى مرحلة تتبع حركة الأموال داخل الاقتصاد.
80% من الكتلة النقدية… لكن أين البقية؟
وفق بيانات المصرف المركزي، جرى استبدال نحو 80% من الكتلة النقدية المستهدفة، بعدما كانت النسبة لا تتجاوز 35% في شباط ثم ارتفعت إلى أكثر من 63% قبل بلوغها مستوياتها الحالية.
لكن الرقم الأكثر أهمية ليس ما عاد إلى المصارف، بل ما لم يعد.
فالـ20% المتبقية تطرح أسئلة جوهرية: هل فقدت هذه الأموال؟ هل خرجت من البلاد؟ أم ما تزال مخزنة في المنازل والأسواق الموازية؟ والإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد حجم الاقتصاد غير الرسمي الذي تشكل خلال سنوات الحرب.
لماذا استعجلت الحكومة إغلاق المهلة؟
يرى اقتصاديون أن تقليص فترة تداول العملتين يمنع حدوث تشوهات سعرية ويحد من فرص المضاربة، كما يقلل التكاليف التشغيلية المرتبطة بنقل وفرز وإتلاف مليارات الأوراق النقدية، إضافة إلى تقليص مخاطر التزوير مع اقتراب انتهاء صلاحية العملة القديمة.
في المقابل، يعتبر آخرون أن تمديد المهلة كان سيسمح باستيعاب نسبة أكبر من النقد القديم، خصوصًا لدى السوريين في الخارج وسكان المناطق البعيدة، بما يقلل خسائر المواطنين الذين تعذر عليهم الوصول إلى مراكز الاستبدال.
أكبر عملية “إحصاء” للنقد في تاريخ سوريا
اقتصاديًا، لا تقتصر عملية استبدال العملة على تغيير شكل الأوراق، بل تمثل ما يشبه “تعدادًا وطنيًا للنقد”.
فكل ورقة تصل إلى المصرف المركزي تكشف جزءًا من حجم الكتلة النقدية المتداولة فعليًا، بينما تشير الأوراق التي لم تعد إلى الأموال المفقودة أو التالفة أو الموجودة خارج البلاد أو المختزنة بعيدًا عن النظام المصرفي.
لكن هذا النجاح يبقى جزئيًا، لأن معظم المواطنين استبدلوا النقد القديم بالجديد ثم احتفظوا به خارج البنوك، ما يعني أن قياس حجم السيولة لا يعني بالضرورة السيطرة عليها.
هل تكفي العملية لمحاربة الأموال غير المشروعة؟
مع انتهاء المهلة، أصبح استبدال النقد يتطلب حسابًا مصرفيًا وهوية شخصية وتدقيقًا في الطلبات، وهو ما يمنح السلطات قدرة أكبر على توثيق العمليات المالية الكبيرة.
إلا أن خبراء يحذرون من المبالغة في ربط استبدال العملة بمكافحة غسل الأموال، مؤكدين أن الثروات غير المشروعة غالبًا لا تحفظ بالليرة السورية أصلًا، بل بالدولار أو الذهب أو العقارات أو الأصول الموجودة خارج البلاد، ما يجعل العملية أداة لتنظيم النقد أكثر من كونها حملة شاملة لتعقب الأموال غير القانونية.
هل سيؤدي تغيير العملة إلى انخفاض الأسعار؟
الإجابة المختصرة: لا.
فالخبراء يؤكدون أن حذف الأصفار أو تغيير شكل العملة لا يرفع القوة الشرائية ولا يخفض التضخم تلقائيًا، لأن جميع الأسعار والأجور تتحول بالنسبة نفسها.
غير أن الخطر يكمن في ما يسمى التضخم السلوكي، عندما يعمد بعض التجار إلى تقريب الأسعار إلى الأعلى أثناء إعادة التسعير، ما يؤدي إلى زيادات فعلية لا علاقة لها بزيادة الكتلة النقدية، بل بطريقة احتساب الأسعار الجديدة.
أما المحركات الحقيقية للتضخم، فما تزال تتمثل في سعر الصرف، وارتفاع تكاليف الطاقة، وضعف الإنتاج المحلي، والاعتماد الكبير على الاستيراد.
التحدي الحقيقي… إعادة الثقة بالمصارف
انتهت عملية استبدال الأوراق، لكن المعركة الاقتصادية الحقيقية لم تبدأ إلا الآن.
فنجاح الإصلاح النقدي لن يقاس بعدد الأوراق التي دخلت خزائن المصرف المركزي، بقدر ما يقاس بقدرة الدولة على إعادة الأموال إلى المصارف وتحويلها إلى ودائع يمكن توظيفها في تمويل الاقتصاد، وتقليص الدولرة، وتعزيز الإقراض والاستثمار.
ويؤكد خبراء أن استكمال هذه المرحلة يتطلب إصلاحات مصرفية أوسع، تشمل تحديث أنظمة المدفوعات الرقمية، وضمان الودائع، ونشر بيانات دورية عن السيولة، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، بما يعيد الثقة بين المواطن والمؤسسات المالية.
يمكن القول إن استبدال الليرة السورية يمثل اختبارًا لقدرة الدولة على إعادة رسم خريطة السيولة داخل الاقتصاد. وإذا كانت المرحلة الأولى نجحت في سحب معظم العملة القديمة من التداول، فإن المرحلة الأصعب تبدأ الآن: إقناع السوريين بأن مكان أموالهم الطبيعي هو المصارف، لا الأدراج ولا الخزائن المنزلية.
المصدر: مال الشام
