
أكد الرئيس السوري أحمد الشرع أن سوريا بدأت مرحلة جديدة في علاقاتها الإقليمية والدولية، مشيراً إلى أن نتائج المسار الذي اتبعته دمشق خلال الفترة الماضية بدأت بالظهور، وأن سياسة بلاده الخارجية تقوم على البناء والاستقرار والتنمية، بعيداً عن الدخول في صراعات إقليمية لا تخدم مصالحها.
وفي مقابلة مع قناة «الجزيرة»، تناول الشرع مجموعة واسعة من الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، من بينها العلاقات مع روسيا والولايات المتحدة والدول الأوروبية ودول الخليج والعراق ولبنان، إضافة إلى العلاقة مع إسرائيل، والملف الفلسطيني، والوضع الداخلي ومسار بناء مؤسسات الدولة.
سوريا تعود إلى محيطها الإقليمي والدولي
قال الشرع إن سوريا دولة مهمة بحكم موقعها الاستراتيجي، وكانت تاريخياً محط اهتمام دول العالم، كما تمثل عقدة ربط تجارية مهمة في المنطقة، إلا أن سياسات النظام السابق على مدى عقود أدت إلى عزلها عن محيطها الإقليمي والدولي.
وأضاف أن دمشق بدأت بإرسال رسائل إلى مختلف دول العالم، وأنها «بدأت تاريخاً جديداً لسوريا» قوبل بإيجابية كبيرة من الولايات المتحدة والدول الأوروبية.
وأشار إلى وجود مصالح واسعة بين سوريا والدول الغربية، تشمل الجوانب الاقتصادية والتجارية وتبادل الخبرات، إضافة إلى وجود أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين في الدول الأوروبية.
وفي ما يتعلق بالعلاقات مع روسيا، أكد الشرع وجود علاقة تاريخية ومصالح كبيرة بين البلدين، موضحاً أن موسكو سارعت إلى فتح صفحة جديدة مع دمشق، وأن العمل جارٍ على تصحيح مسار العلاقات وإعادتها إلى شكلها الطبيعي.
ولفت إلى أن النقاش بشأن مستقبل القواعد الروسية في سوريا لم يُحسم حتى الآن.
العقوبات وقائمة الدول الراعية للإرهاب
وفي الملف الاقتصادي، قال الشرع إن رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا لن يكون ذا جدوى كاملة ما لم يُرفع اسم البلاد من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
وكشف أن وساطة جرت العام الماضي من جانب المملكة العربية السعودية وتركيا من أجل رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا، مشدداً على أهمية استكمال المسار المتعلق بالعقوبات والتصنيفات التي تؤثر في قدرة الاقتصاد السوري على التعافي.
اقتصاد سوريا والاستثمارات الخليجية
أكد الرئيس السوري أن الاقتصاد السوري مقبل على النمو، وأن نتائج الإجراءات المتخذة ستظهر مع مرور الوقت، مشيراً إلى أن الاستثمارات بدأت بالعمل على الأرض، لكنها تحتاج إلى فترة زمنية قبل أن تظهر آثارها بصورة واضحة.
وقال إن دمشق حريصة على نجاح الاستثمارات الخليجية والدولية في سوريا، موضحاً أن الاستثمارات الخليجية تتركز في قطاعات الطاقة والمطارات والعقارات وبناء المدن.
وأشار الشرع إلى أن سوريا كانت في السابق وجهة مهمة لدول الخليج، وكانت تربطها بها علاقات ومصالح جيدة، معتبراً أن عودة الاستثمارات تمثل جزءاً من مسار إعادة بناء العلاقات الاقتصادية.
بناء مؤسسات الدولة يحتاج إلى وقت
وفي الشأن الداخلي، قال الشرع إن العمل على بناء مؤسسات الدولة بدأ منذ اللحظة الأولى، لكنه أقر بأن الحكومة غير قادرة على حل جميع المشاكل دفعة واحدة، وأن إصلاح مؤسسات الدولة يحتاج إلى وقت.
واتهم النظام السابق بإدارة تجارة المخدرات في سوريا ونشر الفساد في مختلف القطاعات، مؤكداً في المقابل أن المرحلة الحالية تقوم على بناء مؤسسات الدولة وترسيخ الأنظمة والقوانين.
وفي ملف العدالة، أعلن تشكيل هيئة لإدارة ملف المفقودين وفق معايير دولية وبالتعاون مع دول تمتلك خبرة في هذا المجال، مشيراً إلى أن الدولة تعمل وفق الأنظمة والقوانين للوصول إلى تحقيق العدالة.
كما أكد أن سوريا سيكون لها نموذج ديمقراطي «ينسجم مع خصوصيتها ويليق بها».
الشرع: قسد تنظيم مسلح لا يمثل المكون الكردي
وفي حديثه عن «قسد»، قال الشرع إن التنظيم نشأ في ظروف معينة وكان يحمل السلاح، مؤكداً أنه لا يمثل المكون الكردي.
وأضاف أن المسار الذي سلكته سوريا خلال السنة والنصف الماضية بدأ بإظهار آثاره، في إشارة إلى مسار بناء الدولة وتعزيز الاستقرار والعلاقات الخارجية.
لبنان: أي فوضى ستنعكس مباشرة على سوريا
وحظي الملف اللبناني بمساحة واسعة من حديث الشرع، الذي أكد أن ما يصيب لبنان ينعكس على سوريا، نظراً إلى الارتباط بالمصالح الاستراتيجية بين البلدين.
وقال إن دمشق تبحث مع الحكومة اللبنانية مجموعة من الحلول التي يمكن أن تساعد في إخراج لبنان إلى بر الأمان، والاستفادة من حالة النهضة التي تشهدها سوريا، محذراً من أن انفجار الوضع داخل لبنان أو دخول البلاد في حالة فوضى ستكون له انعكاسات سلبية مباشرة على سوريا.
وأكد أن معالجة الأزمة اللبنانية لا ينبغي أن تقتصر على المقاربة الأمنية، بل تحتاج إلى حل شامل يعالج مختلف أبعاد الأزمة.
وشدد الشرع على دعم سوريا لاحتكار الدولة اللبنانية للسلاح وقرار السلم والحرب، وتمكين مؤسساتها التنفيذية من أداء دورها، إلى جانب تنفيذ اتفاق الطائف باعتباره وثيقة شاملة للبنان.
وقال إن الدولة السورية تحاول مساعدة الدولة اللبنانية على الإيفاء بالالتزامات التي قطعتها على نفسها، مشيراً إلى أن دمشق تبحث عن حلول «واقعية وعملية»، حتى لو تطلب ذلك الصبر والتدرج في اتخاذ الخطوات.
وأكد أن سوريا لا تعتزم القيام بأي تدخل عسكري في لبنان، موضحاً أن لديها أوراقاً عدة يمكن أن تقدمها للدولة اللبنانية، لتقرر الأخيرة كيفية التعامل معها.
الشرع ينتقد دور حزب الله في سوريا
وفي حديثه عن «حزب الله»، قال الشرع إن الحزب شارك النظام السابق على مدى سنوات في الحرب على الشعب السوري، واتهمه بالتسبب في تهجير أعداد كبيرة من السوريين وقتل عدد كبير من الناس.
وأضاف أن الحزب لا يزال يحمل السلاح وينتشر على الحدود السورية اللبنانية، معتبراً أن استمرار وجود السلاح خارج سلطة الدولة اللبنانية يترك نتائج سلبية كبيرة على المنطقة.
وأكد أن المنطقة تدفع اليوم ثمن سياسات دعم إنشاء كيانات مسلحة تعمل خارج سلطة الدول.
سوريا وإسرائيل: اتفاق أمني ومسار نحو السلام
وفي الملف الإسرائيلي، قال الشرع إن إسرائيل لديها مطامع في المنطقة، وإن سوريا تعمل في الوقت نفسه على الوصول إلى اتفاق أمني معها، بمشاركة مجموعة كبيرة من الدول بهدف الضغط على إسرائيل لاتخاذ سياسة أكثر توازناً تجاه سوريا.
وأكد أن دمشق تتجنب الدخول في صدامات مع إسرائيل، معتبراً أن «ليس من مصلحة سوريا أن تدخل في صراعات عقيمة».
وأوضح أن الاتفاق الأمني يواجه عقبات، في ظل الظروف غير المستقرة التي تشهدها المنطقة، واستمرار بعض الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية، وإن كانت أقل من الفترة السابقة، بحسب قوله.
وأشار إلى أن دمشق تقوم بجهد دبلوماسي كبير للوصول إلى أقل الأضرار الممكنة والدفع باتجاه الحلول السلمية.
وقال الشرع إن نجاح الاتفاق الأمني مع إسرائيل يمكن أن يمهد الطريق أمام سلام شامل، لكنه شدد على أن ذلك لن يكون على حساب حق سوريا في الجولان المحتل، مؤكداً أن مستقبل العلاقة مع إسرائيل مرتبط بحسن تنفيذ كل مرحلة من مراحل الاتفاق.
وأضاف أن الاتفاق بين لبنان وإسرائيل يتضمن، من وجهة نظره، «ثغرات كثيرة».
الشرع: لا نريد أن نكون بين سياسة إسرائيلية وأخرى إيرانية
قال الرئيس السوري إن المنطقة تاريخياً كانت ساحة أطماع وصراعات، وإن المطلوب اليوم أن تمتلك المنطقة سياسة خاصة بها وشخصية مستقلة، بدلاً من أن تكون دائماً أمام خيارين بين سياسات إسرائيلية أو إيرانية تجاه المنطقة.
وشدد على ضرورة البحث عن مقاربات أكثر أماناً لشعوب المنطقة، بما يتيح لها فرصة النمو والازدهار.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن سوريا تحاول تجنب الانخراط في الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني، معرباً عن أمله في ألا تتوسع رقعة الحرب وما قد يترتب عليها من تداعيات إقليمية.
وأكد أن سوريا حاولت خلال السنة والنصف الماضية تجنب الدخول في أي صراع في المنطقة.
القضية الفلسطينية
أكد الشرع أن سوريا تؤيد إنشاء الدولة الفلسطينية، وتدعم المسار العربي لإقامة دولة فلسطينية، كما تقف إلى جانب الاتفاقيات الملزمة دولياً بشأن الوضع الفلسطيني.
وقال إن موقف دمشق يأتي ضمن رؤية أوسع تقوم على دعم المسار العربي والتعامل مع القضية الفلسطينية في إطار الحلول السياسية والاتفاقيات الدولية.
العلاقة مع إيران والحرس الثوري
وفي حديثه عن إيران، قال الشرع إن الحرس الثوري الإيراني كان له تدخل كبير في سوريا، مشيراً إلى أن جزءاً من المتصدرين فيه يعتقدون أن لهم أحقية في مناطق من الخليج العربي.
وأضاف أن المنطقة ليست «خاصرة رخوة»، في إشارة إلى رفض أي محاولة للتعامل مع دول المنطقة باعتبارها ساحات نفوذ مفتوحة.
العراق: مصالح مشتركة ومخاوف أمنية
وصف الشرع العلاقات السورية العراقية بأنها جيدة وتشهد تحسناً مستمراً، مشيراً إلى وجود مصالح كبيرة ومشتركة بين البلدين.
وقال إن العراق يحتاج إلى الكثير من الموارد السورية، كما تحتاج سوريا إلى موارد عراقية، معتبراً أن هذه المصالح يجب أن تُبنى على أسس صحيحة.
وفي الوقت نفسه، أشار إلى وجود مخاوف سورية من انتشار فصائل عراقية مسلحة على الحدود لا تنضبط، بحسب قوله، تحت القانون العراقي، مؤكداً أن دمشق تتخذ تدابير لمواجهة أي تهديد محتمل من الفصائل المسلحة على الحدود.
وشدد على أن «عقلية الانتقام لا تبني الدول»، مؤكداً أن سياسة سوريا تقوم على البناء والاستقرار، وأن سياستها الخارجية تعتمد على المصداقية بما يعزز الثقة مع مختلف الأطراف.
وأضاف أن دمشق منفتحة على الجميع وتقف على مسافة واحدة من الأطراف، مع تفهمها للواقع العراقي الحالي.
الخليج: علاقات استراتيجية واستثمارات تتوسع
أكد الشرع أن العلاقات السورية الخليجية جيدة واستراتيجية، مشيراً إلى أن الاستثمارات الخليجية في سوريا بدأت فعلياً، وأن دمشق حريصة على إنجاح أي استثمار يدخل البلاد.
وأوضح أن الاستثمارات الخليجية تتركز بصورة خاصة في الطاقة والمطارات والعقارات ومشاريع بناء المدن، معتبراً أن هذه الاستثمارات تحتاج إلى وقت حتى تظهر نتائجها الاقتصادية بشكل كامل.
المنطقة أمام خيار الاستقرار أو استمرار الصراعات
وفي خلاصة رؤيته للمرحلة المقبلة، أكد الشرع أن السياسة السورية تقوم على البناء والاستقرار والتنمية، وأن تحقيق هذه الأهداف يتطلب رسائل إيجابية وعلاقات حسنة مع مختلف دول العالم.
وشدد على أن سوريا تسعى إلى تجنب الصراعات الإقليمية، والعمل على بناء علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، معتبراً أن المنطقة بحاجة إلى حلول أكثر أماناً تتيح لشعوبها الانتقال من مرحلة الصراعات إلى مرحلة النمو والاستقرار والازدهار.
