لم يكن الأول من كانون الثاني 2026 مجرد بداية عام جديد في سوريا، بل مثّل نقطة تحول نقدي غير مسبوقة، مع إطلاق عملية استبدال شاملة للأوراق النقدية القديمة بعملة جديدة، في خطوة اعتبرها مصرف سوريا المركزي محاولة لإعادة تشكيل النظام النقدي وطيّ صفحة طويلة من التضخم والانهيار الاقتصادي.

ومع دخول العملية شهرها السادس، يقترب ملف استبدال العملة من مرحلته الحاسمة، في وقت أعلن فيه المركزي السوري بتاريخ 10 حزيران 2026 أن نسبة الاستبدال تجاوزت 66%، أي ما يعادل أكثر من 27 تريليون ليرة من أصل كتلة نقدية قدّرها بنحو 42 تريليون ليرة سورية.

لكن خلف الأرقام الرسمية، تتصاعد التساؤلات حول حجم النقد الحقيقي في التداول، ومدى قدرة العملية على الالتزام بمهلها النهائية، وسط استمرار ظهور الأوراق القديمة في الأسواق، وتفاوت واضح في سرعة التنفيذ بين المحافظات، إضافة إلى شكاوى من نقص العملة الجديدة ورفض بعض الفئات القديمة في التعاملات اليومية.

مراحل متسارعة… ومحاولات لضبط السوق النقدي

مرّت عملية الاستبدال بسلسلة من المراحل المتلاحقة؛ بدأت بإطلاقها في مطلع 2026، مع فترة “تعايش نقدي” بين العملتين لتسهيل الانتقال، ثم إعلان بلوغ 35% من الاستبدال في شباط، يليه بدء إتلاف الأوراق القديمة تحت إشراف رسمي لمنع إعادة تداولها.

لاحقًا، اضطرت السلطات النقدية إلى تمديد المهلة أكثر من مرة، حتى نهاية تموز 2026، مع تشديد الرقابة على المصارف وشركات الصرافة، وإلزامها بعدم إعادة ضخ أي أوراق قديمة في السوق، في محاولة لضبط العملية ومنع الفوضى النقدية.

تقديرات أكبر من الأرقام الرسمية؟

في المقابل، يشكك خبراء اقتصاديون في دقة الأرقام المعلنة من المصرف المركزي حول حجم الكتلة النقدية القديمة.

ويرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن تقدير 42–43 تريليون ليرة لا يعكس بالضرورة الواقع الفعلي، مرجعًا ذلك إلى اعتماد بيانات محاسبية داخلية غير قادرة على رصد النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي.

وبحسب تقديراته، فإن حجم الكتلة النقدية قد يكون أعلى بكثير، وربما يصل إلى 50–56 تريليون ليرة سورية، خاصة مع وجود سيولة كبيرة خارج النظام المصرفي، سواء داخل البلاد أو عبر شبكات التهريب والتجارة غير النظامية.

ويضيف قوشجي أن سنوات من التمويل بالعجز وغياب التدقيق المستقل أدت إلى تضخم نقدي غير منضبط، ما يجعل أي رقم رسمي أقرب إلى التقدير منه إلى القياس الدقيق.

خطر الزمن القصير على عملية الاستبدال

ومع اقتراب انتهاء المهلة النهائية في تموز، تتزايد المخاوف من أن لا تكون الفترة الزمنية كافية لإتمام عملية الاستبدال بشكل شامل، خصوصًا في المناطق الريفية والنائية التي تعاني من ضعف الخدمات المصرفية وبطء الوصول إلى مراكز الاستبدال.

ويحذر خبراء من أن استمرار تداول العملة القديمة بعد انتهاء المهلة قد يخلق ارتباكًا نقديًا، ويؤدي إلى خسائر مباشرة للتجار والمواطنين، إضافة إلى اضطراب في حركة الأسواق.

مقترحات لتفادي أزمة نقدية محتملة

في ظل هذه التحديات، يطرح خبراء مجموعة من الحلول لضمان نجاح العملية، أبرزها:

تمديد مهلة الاستبدال لفترة إضافية لا تقل عن ثلاثة أشهر.
إنشاء مراكز استبدال متنقلة تصل إلى القرى والمناطق البعيدة.
توسيع دور الوحدات المالية المحلية في جمع النقد القديم بشكل منظم.
إطلاق حملة إعلامية وطنية شاملة لتوضيح الإجراءات والمهل والفئات النقدية.

اقتصاد على حافة اختبار صعب

بين الأرقام الرسمية والتقديرات المتحفظة، تبدو عملية استبدال العملة في سوريا اختبارًا معقدًا للقدرة المؤسسية والمالية في آن واحد.

فنجاحها لا يتوقف على طباعة عملة جديدة فحسب، بل على قدرة النظام المصرفي على الوصول إلى كل السيولة المتداولة، وإدارة مرحلة انتقالية حساسة قد تحدد شكل الاستقرار النقدي في السنوات المقبلة.