
يمثل التقييم الإيجابي الأخير لصندوق النقد الدولي للاقتصاد السوري مؤشراً جديداً على تحسن الأداء الاقتصادي، في ظل استمرار تنفيذ الإصلاحات المالية والمصرفية، وتزايد الانفتاح على الاقتصادين الإقليمي والدولي، بما يعزز فرص جذب الاستثمارات ودعم التعافي خلال السنوات المقبلة.
وتوقع الصندوق، في تقريره الصادر في 4 آب الجاري، أن يحقق الاقتصاد السوري نمواً يتجاوز 10% خلال عام 2026، مع استمرار الأداء الإيجابي في عام 2027، مستنداً إلى تحسن أداء القطاعات الإنتاجية والخدمية، وارتفاع مستويات الثقة، وعودة أعداد من اللاجئين، إضافة إلى توسع النشاط التجاري وتحسن إمدادات الطاقة.
ورحب وزير المالية محمد يسر برنية بتقييم الصندوق، معتبراً أنه يعكس الثقة بالإصلاحات التي تنفذها الحكومة، ويسهم في دعم الاستقرار الاقتصادي الكلي وتعزيز البيئة الاستثمارية.
إصلاحات مالية ومصرفية
يتزامن تقييم صندوق النقد مع سلسلة من الإصلاحات التي نفذتها الحكومة خلال الفترة الماضية، شملت إعادة هيكلة السياسة المالية، وتطوير إدارة الموازنة العامة، وإنشاء وحدة للسياسات المالية الكلية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، بهدف تعزيز الانضباط المالي ووضع إطار متوسط الأجل للسياسات الاقتصادية.
كما شهد القطاع النقدي خطوات إصلاحية، من بينها طرح الليرة السورية الجديدة، وتحديث التشريعات المصرفية، وتعزيز إجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتحسين جودة البيانات والإحصاءات الاقتصادية، إلى جانب استئناف التعامل التدريجي مع نظام التحويلات المالية الدولي “سويفت” بعد تخفيف القيود الدولية.
ويرى رئيس مجلس الأعمال السوري الفرنسي جمال قاسمي، في تصريح لـ”سانا”، أن هذه الإجراءات تمثل جزءاً من مسار إصلاح نقدي يهدف إلى تعزيز الاستقرار المالي، معتبراً أن تجربة حذف الأصفار استخدمت سابقاً في عدد من الدول التي شهدت إصلاحات اقتصادية واسعة.
تحسن البيئة الاستثمارية
بالتوازي مع الإصلاحات الداخلية، أسهمت المتغيرات الدولية، بما في ذلك تخفيف العقوبات وإزالة عدد من القيود التي كانت تحد من التعاملات المالية، في تحسين بيئة الأعمال، وفتح المجال تدريجياً أمام عودة البنوك الأجنبية، وتسهيل التحويلات، وتمويل التجارة، ومشروعات إعادة الإعمار.
وفي هذا السياق، أشارت مساعدة وزير الخارجية الأمريكي السابق لشؤون الشرق الأدنى، باربرا ليف، في تصريحات سابقة لـ”سانا”، إلى أن إزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب من شأنها تقليص المخاطر القانونية التي كانت تواجه المستثمرين والشركات الأجنبية عند التعامل مع السوق السورية.
الإصلاحات المطلوبة
ورغم المؤشرات الإيجابية، يرى صندوق النقد الدولي أن الحفاظ على زخم التعافي يتطلب استكمال إصلاحات إضافية، تشمل تحديث التشريعات المصرفية والاستثمارية، وتعزيز الحوكمة، وتحسين جودة البيانات الاقتصادية، بما يرفع كفاءة المؤسسات المالية ويزيد جاذبية الاقتصاد السوري للاستثمارات.
وأكد قاسمي أن استعادة خدمات التحويلات المصرفية الدولية تمثل أحد أهم العوامل المطلوبة لتحسين بيئة الاستثمار، إلى جانب إنشاء مراكز تحكيم تجاري توفر ضمانات قانونية للمستثمرين المحليين والأجانب.
كما شددت باربرا ليف على أهمية تحديث القوانين الاقتصادية والمالية والمصرفية لتتوافق مع المعايير الدولية، بما يعزز قدرة سوريا على استقطاب رؤوس الأموال وإعادة دمج اقتصادها في الأسواق العالمية.
تحديات المرحلة المقبلة
ويرى مراقبون أن تسريع استكمال إجراءات رفع القيود المالية والدولية سيمنح القطاع المصرفي والشركات العالمية وضوحاً قانونياً أكبر، ويحد من مخاطر الامتثال التي أعاقت دخول الاستثمارات خلال السنوات الماضية.
وفي حال استكمال هذه الإجراءات، قد تتوافر فرص أكبر لتدفق الاستثمارات إلى قطاعات الطاقة والبنية التحتية والصناعة والخدمات، بما يدعم دور القطاع الخاص في قيادة النمو الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.
ومع ذلك، تبقى عملية التعافي مرهونة باستمرار الإصلاحات الاقتصادية، واستكمال تحديث البيئة التشريعية، وتوفير التمويل اللازم لمشروعات إعادة الإعمار، بما يضع الاقتصاد السوري على مسار نمو أكثر استدامة خلال السنوات المقبلة.
المصدر: مال الشام
