بقلم: صدام حسين (*)

هذا الموقف الفكاهي، يطرح موقفاً أكثر جدية يواجه كل صحفي على امتداد المعمورة!

حاول صديق لي استفزازي، فسألني بنوع من الاستهزاء والتعالي:
(“ما فائدة دراستك وعملك بالإعلام؟، اليوم بإمكان أي شخص يحمل موبايل الدخول إلى “شات جي بي تي”، ليكتب له أحلى مقال مع أحلى عنوان في عدة ثوان”)
صديقي المذكور ترك العمل بشهادته الأصلية، وتوجه إلى مجال الإعلام، ويكتب حالياً في عدة صحف ومواقع.
وبلا طول سيرة، تقبلت الدعابة بروح رياضية، وقلت له تعال نجرب اختباراً سريعاً، أخرجت له قلماً من حقيبتي، أحتفظ به لحالات الضرورة.
وطلبت منه أن يكتب مقالاً حول موضوع يختاره، من 500 كلمة، خلال نصف ساعة، بشرط أن يبقى هاتفه الجوال معي.
وبالفعل نجح صديقي في الاختبار، وكتب مقالاً يرقى لأن يكون موضوع تعبير رديء لطالب صف تاسع كسول يجلس في المقعد الأخير، أو مقالة مميزة على مجلة الحائط المدرسية.

لم تنته اللعبة هنا!
طلبت منه آخر مقال كتبه بواسطة الذكاء الاصطناعي، ونشره بالفعل في الصحيفة التي يعمل بها، وأجرينا مقارنة سريعة بين النصين..
تفاجىء صديقي بجوابي، عندما قلت له إن الموضوع الرديء الذي كتبه من بنات أفكاره، ورغم ضعف بلاغته، وصلني وأثر بي أكثر من مقاله المنشور بواسطة الذكاء الاصطناعي.

ما فعله صديقي الثلاثيني أنه عاد باللاشعور خمسة عشر عاماً إلى الوراء، وعندما وجد نفسه وحيداً مع الورقة والقلم، لم تسعفه إلا آخر طريقة للكتابة تدرب عليها في المدرسة، وهي: أسلوب المقدمة والعرض والخاتمة، مع إضافة بعض الشواهد والتجربة الشخصية.

هذا الموقف الفكاهي، يطرح موقفاً أكثر جدية يواجه كل صحفي على امتداد المعمورة!
ماذا نفعل نحن معشر الصحفيين في زمن الذكاء الاصطناعي؟
هل نكسر أقلامنا ونستسلم لنماذج “الإيه آي”؟
هذا السؤال الوجودي يتكرر في كل عصر جديد بعالم الصحافة.
منذ اختراع الطباعة عام 1450م عندما فقد الخطاطون التقليديون وظائفهم.
مروراً باختراع الراديو عندما خطف سحر المذياع جمهور الورق، ومن ثم التلفزيون الذي أرعب أهل المهنة.
وصولاً إلى شبكة الانترنت ومحركات البحث، التي سحبت البساط تقريباً من بقية الوسائل الإعلامية.
وكانت بعدها ثورة الألفية الثالثة، مواقع التواصل الاجتماعي، والهواتف الذكية، عندما هددت جيوش المؤثرين عروش الصحفيين.
واليوم نعيش عصر الذكاء الاصطناعي، والمحتوى المكتوب والمسموع والمرئي الموّلد بواسطة البرمجيات..

ربما يكون جيلنا من الصحفيين هو الأكثر حظاً من حيث اختبار أكبر عدد ممكن من التغيرات التاريخية.

فهذا الجيل عاصر الورق في ذروة انتشاره، وعاصر الانترنت وغوغل، والسوشال ميديا، والآن “الذكاء الاصطناعي”.
لكنه الجيل الأسوأ حظاً من حيث الثبات الوظيفي والاستقرار، والاضطرار لمواكبة التغيرات المتسارعة.
بسبب السرعة الكبيرة في تحول وسائل الإعلام، فخلال 20 عاماً عاصرنا ثلاث ثورات رقمية أحدثت تحولاً جذرياً في عالم الميديا.
بينما كانت المدة بين اختراع الطباعة والولوج إلى الانترنت مثلاً خمسمئة عام وأكثر!
وكانت كل وسيلة إعلامية ترافق عدة أجيال حتى تظهر وسيلة جديدة.

في البدء كانت الكلمة..

بكل مرحلة من هذه المراحل كانت “الكلمة” هي الناجي الوحيد، والضرورة الثابتة، سواء كتبت باليد أو الطابعة، أو الكيبورد، مقروءة كانت أو مسموعة أو مرئية، أو في مقطع ريلز أو ستوري أو بوست.
لا تزال الكلمة هي البداية ومعيار الإبداع والاحترافية، والكاشف الحقيقي لمستوى النص وثقافة الكاتب، سواء أكان صحفياً أو مؤثراً أو منشئ محتوى رقمي.
والفقير في هذه المهنة هو من لا يملك ناصية الكلمة ولا يعرف طريقة توجيهها واللعب على أوتارها.

ليست الغاية من هذا المقال التقليل من أهمية الذكاء الاصطناعي، الذي يعادل ثورة الطباعة.

وربما يكون من الجهل وسوء التقدير النظر بدونية لهذا المولود الذي يتطور سريعاً وبشكل مذهل ولحظي، منذ الانفجار الجماهيري الكبير عام 2022 مع إطلاق شركة “أوبن إيه آي” المالكة لتطبيق “شات جي بي تي”
والوصول حالياً لأربعة نماذج كبرى تملكها “غوغل” و”ميتا” وشركات أخرى، وهي بلا شك نقطة تحول في تاريخ البشرية.
لكن التحدي الذي يواجه الصحفي في هذا الزمان هو أن أدوات العصر وآخرها الذكاء الاصطناعي، ليست حكراً عليه.
فهي متاحة لبائع الخبز اليابس، ونباشي القمامة، مع فائق الاحترام لجميع المهن.
وهؤلاء قادرون على الاشتراك بنسخة “برو” أكثر تطوراً من هذه التطبيقات إذا دفعوا أكثر من الصحفي، وعادة هم قادرون على الدفع أكثر، لأن الصحافة هي المهنة الأقل أجراً في هذه الأيام.

فما الجديد الذي يقدمه الصحفي في ظل هذه التحديات التي تواجه المهنة؟

استغرق مني الوقت أربع سنوات حتى أقرر كتابة هذا المقال، فمن اللحظة التي قرأت فيها خبراً يتنبأ بزوال مهنة الصحافة بفعل تهديد ومنافسة الذكاء الاصطناعي، بدأت البحث في هذا العالم ومواكبة تطوراته، من باب “إعرف عدوك”، وهل هناك أكثر عداوة لك ممن يهدد مصدر رزقك؟!

ونتيجة البحث والتحري والتجربة، وصلت لعدة نقاط ضعف لاستخدام الذكاء الاصطناعي في مهنة الصحافة والإعلام أنصح بقراءتها:

أولاً: العبارات المستهلكة
بإمكان أي صحفي يمارس المهنة اكتشاف القوالب الجاهزة التي يستخدمها الذكاء الاصطناعي ومن أمثلة ذلك:
((هذا ليس مجرد طبق ملوخية، إنه قصة تختصر سورية))
((صحن الرز بحليب لم يعد ينظر إليه كحليب ورز فقط، بل كتاريخ يكتب بالمازهر)) الخ…
وغيرها من التراكيب التي كلما قرأتها في صحيفة أو سمعتها أو شاهدتها في تقرير إذاعي وتلفزيوني أكتشف فوراً أنه مشغول كلياً أو جزئياً بالذكاء الاصطناعي..

ثانياً: صفر عاطفة
حس الإنسان الطبيعي غائب، فهذه البرامج تعطيك مادة تبدو للوهلة الأولى محكمة لغوياً، ولكنها جامدة خالية من الروح والمشاعر والإحساس.
رغم أنها محبوكة بعناية تفوق قدرة الإنسان العادي من حيث الكلام المنمق والمرتب بدقة..

ثالثاً: التكرار والعجز عن الخلق
صحيح أن هذه البرامج تدربت على ملايين الأسئلة والأجوبة ولديها وصول إلى معظم محتوى الانترنت ومواقع الأخبار والكتب والدراسات العلمية وجل ما أنتجه الفكر البشري!
لكنها عاجزة عن “الخلق” والابتكار وتقديم محتوى أصيل
ويمكنك التأكد من خلال نسخ أي عبارة من نص مكتوب بالذكاء الاصطناعي ووضعها في محرك البحث وستظهر لك عشرات المقالات التي استخدمت التعابير ذاتها باللغة العربية أو لغات أخرى!

رابعاً: غياب الحدس الصحفي
رغم أن الذكاء الاصطناعي قادر على القيام بملايين العمليات خلال ثواني من خلال شبكة معقدة، تحاول محاكاة العقل البشري من فهم المعلومات والتحليل، لكنها عاجزة عن التنبؤ وإيصال المعاني بين السطور..
والذكاء الصنعي ليس قادراً على معرفة نبض الشارع، ولا يملك عين الصحفي الذي يمكنه استنباط الخبر من سائق سرفيس أو تكسي مثلاً..

خامساً: بلا رأي ولا نكهة
الكلمات غالباً هي وجهة نظر الإنسان بالحياة، هذه البرمجيات عاجزة تماماً عن إعطاء رأي بشكل مبطن أو ظاهر، كما يفعل الصحافي الإنسان، الذي يقول رأيه بذكاء، دون أن يكتشف القارئ أنه يقول رأيه..

سادساً: “توليد محتوى” وليس كتابة
من الخطأ القول إن فلاناً كتب مقالاً عبر الذكاء الاصطناعي
فالكتابة فعل أصيل بذاته، والأصح القول: توليد المحتوى

سابعاً: التكلف الزائد..
نصوص الذكاء الاصطناعي مرتبة بتكلف زائد، لا يشبه الأسلوب الصحفي الذي يميل أحياناً للفوضى اللغوية الخلاقة، وربما الخروج عن المألوف..

ثامناً: الترهل والحشو
الصحافة والإعلام ليست صف كلمات بشكل منمق، فكل كلمة تحمل قيمة معنوية وعاطفية تتجاوز حروف اللغة..
وكتابات الذكاء الاصطناعي مترهلة فيها الكثير من الحشو بلا معنى، وتستخدم عبارات لا حاجة لها، وكأنه لا يعلم أن البلاغة هي الإيجاز.

تاسعاً: المبالغة
يستخدم الذكاء الاصطناعي الكثير من العبارات الرنانة ويضخم النصوص،
يبالغ باستخدام التشابيه في غير مكانها، ومن نقاط ضعفه، ترجمة أوصاف وتعابير وتشابيه من اللغات الأخرى، ولا يبرع في استخدام الثقافات المحلية والموروث الشعبي.
كما أنه يكثر من إشارات التعجب والاستفهام بلا سبب؟!

عاشراً: التصنع
نصوصه تحاول الادعاء..
ولو كان الذكاء الاصطناعي رجلاً لكان شخصاً “مدعي، متكلف، يحب الظهور كفقيه بكل شيء، لا مكان في قاموسه لعبارة “لا أعرف”،
يدعي أنه يعرف كل شيء ويحاول التذاكي على القارئ.
شخص رمادي، بلا مشاعر يحاول أن يبدو عاطفياً فيبالغ باستخدام التوصيفات ومخاطبة الحواس كالشم والذوق والسمع والبصر، مع أنه لم يجرب واحدة منها..

خير جليس ورفيق ومساعد..

كيف يمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي؟
هذه البرمجيات يمكن أن تكون خير صديق للصحفي، كما استفدنا سابقاً من مهارات البحث في “غوغل”.
يمكنه اختصار الزمن بشكل رهيب، اترك له مهمة البحث عن المعلومات، خذ رأيه، ولكن دقق خلفه، وراجع المعلومات، واترك بقية الوقت لعملك الصحفي الأساسي وهو الصياغة والكتابة التي درستها في مدارس الصحافة أو حتى تعلمتها من المدربين أو عبر الانترنت.
المهم أن تعطيه المهمات بدقة وتحديد، وستحصل على معلومات مذهلة ومدهشة يمكنك تطعيم مقالتك بها.

ماذا ستفعل لو انقطع الانترنت، وتعطلت الهواتف الذكية؟

سيعود الصحافي إلى طاولته وقلمه ودفتره، لاشيء معه إلا كلمات..
لكن القلم يجف من ندرة الاستخدام، والدماغ البشري يصدأ من قلة الاستعمال.
لا أعلم كيف لصحفي ناطق بلغة فيها 12,302,912 كلمة بدون تكرار، أن يفلس لدرجة الركون إلى نموذج ذكاء اصطناعي كي يكتب له نصاً من الألف إلى الياء. (ملاحظة: الرقم من “شات جي بي تي”)
وكيف لأمة خرج فيها القرآن أن تفلس لغوياً، وهي التي كتبت المعلقات العشر بماء الذهب لقوة فصاحتها، وحفظها العرب من عصور الجاهلية وحتى الآن، بسبب قوة المعاني، وعلقت في أذهان الناس لجمالها الفائق.

لا أعلم!

في عصر انفجار المعلومات ليس معيباً أن يقول الصحفي: “لا أعلم ولا أعرف”
وإذا طلبوا منه أن يكتب عن أشياء يجهلها كما يحصل عادة، لا بأس بالاستعانة بمحركات البحث والذكاء الاصطناعي.
لكن قبل أن تكتب عن شيء تأكد أنك تعرف عنه عشرة أضعاف ما ستنقله للقارئ أو المستمع أو المشاهد.
انقل له المعلومات التي تهمه فقط، وأهم الأهم.. واحتفظ بالباقي لنفسك
لا تتعامل مع الجمهور باستهتار على اعتبار أنه جاهل وأنك أكثر فهماً منه.. فهو غالباً يعلم بمقدار ما تعلم وربما أكثر وهو ذكي جداً.

ملايين الصحفيين

هناك اليوم أكثر من نصف مليار ناطق باللغة العربية، تقريباً كل واحد منهم يرى في نفسه صحفياً أو صحفية.
وهناك عدة مليارات حول العالم يجلسون على السوشال ميديا
ويتوهمون أنهم يقومون بعملك ذاته..

فهل يتحول الإنسان إلى إعلامي بمجرد تنزيل تطبيق على جواله؟
وكم تحتاج كصحافي أن تكون مهنياً ومحترفاً لمنافسة كل هؤلاء؟

كن كبائع الخبز الطازج الذي يصطف الناس في طوابير للحصول على خبزه اللذيذ، ولاتكن كبائع الخبز اليابس الذي يبيع البائت من موائد الناس ليصبح علفاً للبهائم..
كن أنت المنتج الأصلي للنص، كالفنان الذي يبيع التحف الفنية، وتكتب نصوصه بماء الذهب..
ولا تكن كـ نباشي القمامة الذين يعيدون تدوير ما استهلكه الناس ورموه في سلال المهملات لبيعه بأرخص الأثمان.

هذه المهنة تستقبل آلاف العاملين سنوياً، لكن قلة منهم يتعاملون مع أنفسهم كصحفيين ويحترمون عقل الجمهور فيحافظون على الاستمرارية.
وأكثرهم ينتهون ثرثارين في الحانات والمقاهي، للحديث عن أمجاد موهومة، لا ماضي ولا حاضر ولا مستقبل.
نجوم كثر أصبحوا في هاوية النسيان لأنهم لمعوا بلا أساس ولا استحقاق.

وفي هذا الزمن ينبغي للصحفي أن يكون متواضعاً، فالغرور يورث العمى.
ورئيس التحرير الذكي لا يستبعد الموهوبين بدافع الغيرة والخوف والحسد..

بل يستقطب المبدعين واللامعين، ولا يسترخص بالثمن للتوفير، يحتفل بالناجحين، ولا يحيط نفسه بمعدومي الموهبة، لأن نتيجة ذلك معروفة وهي: الفشل.

بقلم: صدام حسين (*)

(*) رئيس تحرير موقع مال الشام، إعلامي منذ 17 عاماً، كاتب صحفي وصانع محتوى عمل في قناة الجديد وروسيا اليوم وشام إف إم وإذاعة صوت الشعب لبنان وجريدة الأخبار