تشهد سوريا سلسلة تغييرات حكومية واقتصادية متلاحقة، شملت وزارات ومؤسسات سيادية، وسط تساؤلات بشأن ما إذا كانت تمهّد لإعادة هيكلة الإدارة الاقتصادية وتحسين الأداء، أم تقتصر على تبديل المسؤولين من دون تغيير السياسات القائمة.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد أصدر، في 18 و19 تشرين الأول الجاري، مراسيم بتعيين ماهر خليل الحسن رئيساً تنفيذياً للشركة السورية للبترول، وعمر سامر الحلبي مستشاراً للشؤون الاقتصادية لدى رئاسة الجمهورية ورئيساً لمجلس إدارة الصندوق السيادي، إضافة إلى تعيين باسل عبد العزيز عبد الحنان وزيراً للصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك، بعد فصل هذه القطاعات عن وزارة الاقتصاد.

وتأتي هذه الخطوات استكمالاً لتغييرات سابقة طالت حقائب وزارية ومناصب قيادية، من بينها تعيين خالد فواز زعرور وزيراً للإعلام، وباسل حافظ السويدان وزيراً للزراعة، ومحمد صفوت رسلان حاكماً لمصرف سوريا المركزي، إلى جانب تعيين محافظين جدد في عدد من المحافظات.

فصل الوزارات.. تخصص أكبر أم تعقيد إداري؟

يرى مؤيدون لفصل الصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك أن الخطوة قد تساعد على تحديد المسؤوليات ومنح كل قطاع مساحة أكبر لوضع سياساته، ولا سيما الصناعة التي تحتاج إلى خطط متخصصة لمعالجة تحديات الإنتاج والمنشآت الصغيرة والمتوسطة.

في المقابل، يحذر اقتصاديون من أن إعادة توزيع الحقائب لن تحقق نتائج ملموسة ما لم تترافق مع تحديد واضح للصلاحيات والموازنات والجهات التابعة لكل وزارة، ووضع آليات فعالة للتنسيق بينها. فغياب هذه التفاصيل قد يؤدي إلى تداخل الاختصاصات وتكرار الإجراءات وتأخير المشروعات، بدلاً من تقليص البيروقراطية وتحسين بيئة الاستثمار.

كما أن معالجة مشكلات الصناعة لا تنفصل عن ملفات الطاقة والسيولة والتعرفة الجمركية والاستيراد والتصدير، ما يجعل تغيير الهيكل الإداري وحده غير كافٍ لتحفيز الإنتاج الوطني.

المستهلك والدعم في اختبار المرحلة الجديدة

يمثل انعكاس التغييرات على الأسعار والقدرة الشرائية أحد أبرز معايير الحكم على نجاح الهيكل الجديد. فاستقلال التجارة الداخلية وحماية المستهلك إدارياً لن يكون كافياً ما لم يترافق مع سياسات واضحة لضبط الأسواق وتحسين الدخل وحماية الفئات الأكثر ضعفاً.

وفي ملف الدعم، تبرز تحذيرات من تقليصه سريعاً في ظل الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة، مع دعوات إلى إعطاء الأولوية لدعم الشرائح الأكثر فقراً وزيادة فرص العمل وتحسين الدخول قبل إجراء تغييرات واسعة على منظومة الدعم.

التحدي يتجاوز تغيير الأسماء

تفتح التعيينات الجديدة أيضاً ملف توزيع المسؤوليات داخل المؤسسات، ولا سيما المناصب التي شغلها المسؤولون سابقاً، والحاجة إلى ملء الشواغر ومراجعة التمثيل في المجالس والهيئات المرتبطة بها.

وتبرز، بالتوازي، أسئلة بشأن معايير اختيار المسؤولين، ومدى التوازن بين الثقة السياسية والكفاءة والخبرة والمساءلة، في مرحلة تحتاج فيها المؤسسات إلى تعزيز قدرتها على اتخاذ القرار وتنفيذ السياسات بفاعلية.

ولا تزال التفاصيل المتعلقة بالهيكل التنظيمي للوزارة الجديدة وصلاحياتها وموازناتها بحاجة إلى توضيح رسمي، ما يجعل تقييم نتائج التغييرات أمراً مبكراً.

في المحصلة، لن يُقاس نجاح إعادة الهيكلة بعدد المراسيم أو المسؤولين الذين يتغيرون، بل بقدرتها على تحسين بيئة الإنتاج والاستثمار، وتوضيح المسؤوليات، وتقليص التعقيدات الإدارية، وتحقيق نتائج يلمسها المواطن في الأسعار والخدمات والقدرة الشرائية.

فهل تكون التعيينات بداية إصلاح مؤسسي أوسع، أم تبقى تغييراً في المواقع من دون تحول جوهري في السياسات الاقتصادية؟

المصدر: مال الشام