شهدت أسواق الطاقة تباينًا لافتًا في ردود فعلها على التوترات العسكرية الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط، إذ ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بوتيرة تجاوزت بكثير مكاسب النفط، في مؤشر يعكس اختلاف طبيعة السوقين وقدرتهما على التعامل مع اضطرابات الإمدادات.

ووفقًا لما أوردته وكالة بلومبرغ، فقد قاربت أسعار الغاز في أوروبا على مضاعفة مستوياتها المسجلة قبل اندلاع التصعيد، بينما اكتفى النفط بارتفاع يناهز 20% خلال الفترة نفسها، رغم أن السلعتين تتأثران بالممرات البحرية ذاتها وبالظروف الجيوسياسية نفسها.

وسجل السعر المرجعي الأوروبي للغاز في مركز التداول الهولندي “TTF” أكثر من 55 يورو لكل ميغاواط/ساعة، مقارنة بنحو 30 يورو قبل بدء الأحداث، في حين بقي خام برنت دون مستوى 90 دولارًا للبرميل بعدما كان يدور حول 70 دولارًا.

منافسة عالمية على الشحنات

ويرى محللون أن القفزة الكبيرة في أسعار الغاز لا ترتبط فقط بمحدودية الإمدادات، بل أيضًا بتسابق الدول المستوردة على شراء كميات كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة، استعدادًا لموسم الشتاء، وهو ما أدى إلى احتدام المنافسة بين المشترين في أوروبا وآسيا على الشحنات المتاحة من الغاز الطبيعي المسال.

وتقول آن-صوفي كوربو، الباحثة في أسواق الغاز بمركز سياسات الطاقة في جامعة كولومبيا، إن سوق النفط دخلت الأزمة وهي تتمتع بقدر أكبر من المرونة نتيجة توقعات بوجود فائض في المعروض، بينما كانت سوق الغاز تواجه ضغوطًا مسبقة بعد شتاء أدى إلى استنزاف جزء كبير من المخزونات الأوروبية.

مضيق هرمز.. نقطة الاختناق

ويبرز مضيق هرمز كعامل رئيسي في معادلة الغاز العالمية، إذ يعتمد جانب كبير من صادرات الغاز الطبيعي المسال في الخليج على المرور عبر هذا الممر البحري، في ظل غياب مسارات برية أو خطوط أنابيب بديلة قادرة على تجاوز أي اضطرابات محتملة.

وفي المقابل، يتمتع النفط بخيارات نقل أكثر تنوعًا، إذ يمكن تحويل جزء من صادراته عبر خطوط أنابيب بديلة، ما يقلل من تأثير أي اضطراب في حركة الملاحة مقارنة بالغاز الذي يعتمد بصورة شبه كاملة على الناقلات البحرية.

مخاوف بشأن منشآت التسييل

وزادت المخاوف في الأسواق بعد تقارير أشارت إلى تعرض منشآت للغاز الطبيعي المسال في قطر لأضرار خلال التصعيد، الأمر الذي أثار تساؤلات بشأن حجم الطاقة التصديرية المتاحة خلال الفترة المقبلة.

ونقلت بلومبرغ عن مسؤولين في قطاع الطاقة أن إعادة تشغيل بعض منشآت التسييل المتضررة قد تستغرق وقتًا، وهو ما قد يبقي الضغوط قائمة على سوق الغاز إذا استمرت المخاوف المتعلقة بالإمدادات.

وتعد قطر من أكبر موردي الغاز الطبيعي المسال عالميًا، وتعتمد عليها أسواق عديدة في أوروبا وآسيا لتلبية جزء مهم من احتياجاتها من الطاقة.

أوروبا بين التخزين والشتاء

وتواجه الدول الأوروبية تحديًا إضافيًا يتمثل في ضرورة رفع مستويات التخزين قبل حلول الشتاء، في وقت لا تزال فيه المخزونات أقل من المعدلات المعتادة.

وبحسب بيانات أوردتها بلومبرغ، بلغت نسبة امتلاء مرافق التخزين الأوروبية نحو 55%، وهو مستوى يقل عن متوسط السنوات السابقة، بعد موسم شتوي شهد استهلاكًا مرتفعًا للمخزونات.

كما ساهمت موجات الحر الصيفية في زيادة الطلب على الغاز المستخدم لإنتاج الكهرباء، بالتزامن مع ارتفاع الاستهلاك في عدد من الدول الآسيوية لتشغيل أنظمة التبريد، ما زاد المنافسة على شحنات الغاز الطبيعي المسال.

آسيا تدخل دائرة الضغط

ولا تقتصر الضغوط على السوق الأوروبية، إذ تواجه اقتصادات آسيوية تعتمد بشكل كبير على واردات الغاز المسال تحديات مشابهة مع تنامي الطلب، الأمر الذي يعزز حساسية الأسعار لأي اضطراب في الإمدادات القادمة من منطقة الخليج.

وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الغاز الطبيعي المسال يشكل ركيزة أساسية في مزيج الطاقة لدى عدد من الدول الآسيوية، ما يجعل أي تغير في تدفق الشحنات ينعكس بسرعة على الأسواق العالمية.

لماذا كان النفط أقل تأثرًا؟

في المقابل، أظهرت سوق النفط قدرة أكبر على استيعاب الصدمات، مستفيدة من توافر مخزونات استراتيجية، وتعدد مسارات النقل، إضافة إلى إمكانية زيادة الإنتاج لدى بعض الدول المنتجة عند الحاجة.

وترى وكالة الطاقة الدولية أن مرونة النفط تعود إلى طبيعة بنيته اللوجستية، في حين يتطلب الغاز الطبيعي المسال سلسلة نقل أكثر تعقيدًا تشمل منشآت التسييل والناقلات ومحطات إعادة تحويله إلى حالته الغازية.

ويعكس التفاوت الكبير بين أداء السوقين اختلافًا هيكليًا في آليات الإمداد والتوزيع، إذ يبقى الغاز أكثر عرضة للتقلبات عند حدوث أي اضطراب في منشآت الإنتاج أو ممرات الملاحة البحرية، بينما يمتلك النفط أدوات أوسع للتكيف مع الأزمات.